الأعضاء الإشتراك و التسجيل

الملتقيات
ADs

تقرير مــذكــراتي اللــــندنــية

تقرير مــذكــراتي اللــــندنــية


NOTICE

تنبيه: هذا الموضوع قديم. تم طرحه قبل 2797 يوم مضى, قد يكون هناك ردود جديدة هي من سببت رفع الموضوع!

قائمة الأعضاء الموسومين في هذا الموضوع

  1. الحلقة الواحد والعشرين

    رغم مرور سنوات طويلة منذ أن وطئت قدماي لندن لأول مرة في العام 1984، وزياراتي المتعددة لها لاحقاً،،، وكذلك دراستي الجامعية فيها لنحو خمس سنوات متواصلة،،،، إلا أن الحنين إلى تلك الأيام الخوالي لازال متمكناً مني حتى هذه اللحظة،،،، ودوماً ما استسلم لأحلام اليقظة واستعيد شريط ذكرياتي وأنا أتجول في شوارعها العتيقة وحدائقها ومتاحفها،،،،،،وحاناتها ذات الطراز الفكتوري الذي يأسر الألباب،، والأماكن المتعددة في كل زاوية وشارع من منطقة وسط لندن والتي تعني لي شخصياً الشيء الكثير،،، لأني قد أكون تعرفت فيها على إنسان عزيز في ذاك المطعم،،، أو لهوت وتناجيت مع حبيب على شاطئ ذلك النهر الجاري،،،،أو ضحكت بجنون مرة،،،،وبكيت مرات بأنين وألم من لوعة فراق كوى أضلعي وأنا أسير وحيداً في ظلال أشجار الهايدبارك،،،، ففي تلك الفترة التي امتدت نحو سنة وأربعة أشهر وأنا أودع فيها آخر سنة من سنين المراهقة،،، تعلمت فيها ما ألم أتعلمه طوال سبعة عشر عاماً خلين من عمري غير المحسوب في السعودية،،،،،،فقد خرجت من مدينة الدمام ذات يوم صيفي مغبراً مصفراً ورأس مالي ومبلغ علمي ذكريات هشة هي مجموع ما سمعته في بوفية الميناء التي تجمع السلنتح أو بوفية عزيز التي تجمع لاعبي كرة القدم،،، وقبلها استراحة ريم في العدامة،،،أو استراحة سقراط في الخبر،،،، لم أذكر مدرستي هنا،، لأني لم أتعلم منها شيء قط،،، ولم تضف لي شيء لولا أني كنت ميالاً بطبعي للقراءة وعقلي يتساءل دوماً عن طبيعة الأشياء،،،،،،ولم أذكر أني استفدت من مدرسة الفيصل المتوسطة بالذات شيئاً أبداً سوى قصتين مأساويتان لم أنسهما أبداً،،، أولهما عندما ضحك علينا المدرسين النصابين وأكلونا مقلب وأخبرونا بأنه سيكون هنالك يوم مفتوح في أحد أيام الخميس لتنظيف المدرسة وزراعتها وتجميل مداخلها،،،،،وسوف يكرم الطلاب المشاركين والمميزين في الحفل بجوائز قيمة ودرجات إضافية نهاية السنة الدراسية،،،،،،،،،لم أكذب خبراً مع مجموعة من أصدقائي المقربين وحضرنا صباح الخميس مبكرين قبل حضور فرقة حسب الله للتدريس أو التدليس ،،لا فرق،،،، وبدأنا العمل مبكراً ننظف الأرض ونزيل الأحجار ونردم جحور الزواحف والعقارب ،،،ونزرع الأشجار وأكثرها فسائل نخل،،،، ويا له من نخل لم يقم له قائمة حتى يومنا هذا،،فما زال طوله نحو متر ونصف منذ ثلاثون سنة،،،،،،،واصلنا العمل خلال الضحى وحتى الظهيرة الحارقة عندما وصلنا لصخرة كبيرة جداً تتوسط فناء المدرسة،،،وطلب منا الأستاذ فرغلي الحفر تحتها لإخراجها من القاع وإزاحتها لأخر السور،، ،،،،،،حفرت حتى كل متني وجلست من الإرهاق والتعب وأنا مصمم على متابعة الحفر مع زملاء سذج مثلي،،،،وأثناء الحفر مر بعض رفاقنا الماصلين وقاموا بالانتقاص منا والضحك على إخلاصنا الذي لا طائل منه،،،،، وتوجهوا لقيلولة طويلة حتى آذان العصر داخل الفصول المكيفة يتقدمهم أحدهم وكانت عيارته "فسيو" عدم المؤاخذة،،، ،،،،،،وكنا في هذه الأثناء قد تمكنا بشق الأنفس من إزاحة الصخرة الضخمة إلى آخر سور المدرسة،،، واستعدينا للحصول على الجوائز والتكريم من قبل مدير المدرسة "عريج" وهيئة التدليس،،،،،وتفاجئنا والله العظيم بأن فسيوً "مدري يصلح منصوب الاسم بالتنوين دون الألف بسبب دخول إن أم لا" وشلته الماصلة هم من حصل على الجوائز والتكريم،،،فكل دقيقة ينادي الأستاذ فرغلي،،،،،،،الطالب المثالي "فسيو""" "تصفيق،،، وتهليل"""،، ثم الطالب صاحب الروح الرياضية "فسيو" ،،فرجل العام "فسيو"،،تصفيق،،، الله أكبر،،،،،تهليل،، والغريبة أن فسيواً "يمكن كذا منصوبة أدق"،،،لم يكتف بسرقة عرق الغلابة أمثالنا بل أنه في نهاية الحفل امسك الميكرفون وبدأ بالاستهزاء بنا نحن الملطخون بالطين المنتفين وأشكالنا كالمشردين أمام المدرسين الذين أبدوا إعجاباً بموهبته بالتنكيت علينا حنا عيال،،،،الكـلـــ،،،،،،،،وقد أعطي فسيواً كل ذلك لأنه كانت لدى والده محطة بانزين وكان يوزع لهم طوال السنة كوبونات مجانية لتعبئة سياراتهم الكحيانة،،،،،،،،،،،،،،،،،عندها حلفت وأقسمت بيني وبين نفسي بأني "لن أخلص في عمل سوف أؤديه ما حييت أبداً" بعد هذه الصدمة القوية في حياتي،،،،،ولكن مع مرور الزمن نسيت فسيو والمدلس فرغلي الذي كان دوماً يستلف القلم ولا يرده أبداً،،، ويجمع الوجبات المدرسية من الطلاب ويأكلها في عزبته،،، ودفعت كفارة يمين واستغفرت الله وعدت لطبعي الإخلاص وحب إتقان العمل حتى أتى يوماً وأخبرنا فرغلي بزهو كعادته في النصب بأن هنالك مسابقة جديدة لأجمل وأنظف فصل وسيكون "البرايم" تبعها بعد ثلاثة أشهر،،،،فطفقنا بتنظيف الفصل وعمل اللوحات الجميلة والديكورات الرائعة وأحضرت من وكالة أبي لتموين شركة هونداي بعض اللوحات والتحف المناسبة للفصل ووضعنها في كل ركن من الفصل حتى بدأ الفصل كأنه مدرسة انجليزية وبقية الفصول كعنابر مجانين،، ومن حين لآخر يأتي طلاب الفصول الأخرى وقت الاستراحة وينظرون من الباب بذهول نحو فصلنا،،،،بل أن أحدهم وعيارته "قرش قريش" قام عند الباب بخلع نعاله خارج الفصل ودخل حافياً...:"قرش قريش" كان مجنون بجد ولم يكتشف أنه مجنون حتى وصل مرحلة الثانوية وهذا يدل على أن المدرسة أصلاً لا تفرق بين إنشتاين أو إسماعيل ياسين،،،، ما علينا،،،فبعد ثلاثة أشهر إلا يوماً انصرفنا من المدرسة وكنا واثقين بأنا نحن الفائزون لأنه لغاية آخر يوم لم يهتم فصل من الفصول الأخرى بهذه المسابقة التي لا تعني لهم شيئاً،،،،ولكن عندما أتى اليوم المشهود يوم "البرايم" وكان يوماً مشئوما كذلك لأنه نفس اليوم الذي دخل فيه جهيمان واستحل الحرم المكي الشريف،،،،،،،،،،،،،،،،،ما قلت لكم ذكريات المدرسة كلها ماصلة،،،،،،، وفجأة في طابور الصباح صعد مدرس صعلوك كذاب اسمه بسيوني الحدق،،، فوق الدرج وأمسك الميكرفون وتمايل ذات اليمين والشمال وهز وسطه على صدى الميكرفون وهو يعلن بحبور وانشكاح ،،، بأن الصف الفائز بجائزة الأوسكار للنظافة والنظام والفصل المثالي هو فصل ثاني "ب"،،،،،نعم،،،،،نعم،يا ابن الكــ،،،، كيف ثاني "ب" يا صعلوك وحنا تركناه خرابة عند "الصرفه" في الأمس،،،،لكنه قدس الله سره أخبرنا بأن طلاب ثاني "ب" قد سهروا طوال الليل يعملون على تنظيم وتنظيف الفصل حتى الساعة الثانية ليلاً وبذلك تذهب الجائزة إليهم بالتزكية من مجموعة المدلسين الأفاكين خريجي خطة طه حسين "كيف تحصل على مدرس في خمسة أسابيع"،،،،،صدمت مرة أخرى وأنا لم أفق بعد من صدمة فسيو،،،فهؤلاء الأوغاد عملوا في آخر لحظة للفوز بالجائزة وليس بهدف جعل الفصل جميلاً طوال السنة كما هو مطلوب،،،،،،،،،،،،لكن ما زاد الطين بلة وزاد حنقي على هذه المدرسة التعيسة عندما وصلنا فصلنا "ثاني أ" بأن وجدنا أن اللوحات التي وضعنها لتزيين فصلنا والله قد سرقت بالإضافة للكثير من التحف وصحف الحائط،،، وألقي هنا وهناك بعض من القمامة،،،،،،،،،،،،،،،،والله حرام،،،،يعني اليهود ما يسون كذا،،،،،،،،،،،،،،،،،،،وندمت على الكفارة التي دفعتها في المرة الأولى ،،،،،،،،،،،،فهل هذه مدرسة ممكن أن يستفيد منها أحد،،،،،،،،،الرأي لكم،،،،،،،،،،،،،،،،،، كما أني لم أذكر قبل مغادرتي مدينة الدمام سوى الحفريات التي تنتشر في كل شوارعها من حارة الدوغة، والعمامرة وسوق الحب،، والقزاز وعبد الله فؤاد،،،،والعدامة والناصرية،،، وش الناصرية،،، خمس بيوت والباقي مخازن شركات ،،،،،،،،،،،،،،كذلك لا أنس جريدة اليوم المليئة بإعلانات هروب العمال والتحذير شديد اللهجة من إيوائهم أو التستر عليهم،،، أو المواضيع التي تتحدث عن عمتكم النخلة،،وتطورات الحرب العراقية الإيرانية،،،،،،،،بالإضافة للحر طوال فصلين فقط في السنة لا يفرقهما سوى درجات الحرارة دون تغيير ملموس على البيئة المحيطة،،،،فحر حارق في الصيف أو برد قارص في الشتاء وكان الله غفوراً رحيماً ،،،،،وكل واحد يصلح سيارته،،،،،، وعندما يجن الليل يبدأ الشاب الوسيم سليمان العيسى بقراءة نشرة الأخبار المليئة بالاستقبالات، وكذلك "نفى مصدر مسئول ما أوردته وكالة رويتر بأن المملكة اشترت فاصوليا من الكيان الصهيوني!!!!!"،،، ثم تأتي درجات الحرارة ومقدمها التعيس العابس،،ليخبرنا عن درجات الحرارة آخر همنا في العبيلة،،، شواله،،، عرعر ،،،، ثم يعود الشاب الوسيم مرة أخرى سليمان العيسى بطلته البهية ليظهر متنكراً بأنه مع المواطن في برنامج "مع الناس"،، ويختم التلفاز برامجه بتقديم أسماء الصيدليات المناوبة لهذه الليلة ، فيغلق التلفاز باليد المجردة،،، لعدم وجود جهاز تحكم عن بعد،،،،،، فأعيش 17 عشر عاماً رتيبة مملة، بل عاماً واحد مكرر 17 مرة ،،،فلا يوم يفرق عن آخر،،،صورة كربونية مكررة وكئيبة.....،،،،،،،،،،،،،،لكن تلك الصورة اختلفت كلياً من الوهلة الأولى التي وصلت فيها لندن في نهاية صيف وبداية خريف العام 1984،،، فلقد رأيت لأول مرة الفصول الأربعة التي طالما قرأت عنها في الكتب التي كنت أقتنيها من مكتبة الحجاز أو مكتبة المتنبي،،،، فبعد أيام قليلة من وصولي لآخر يومين من شهر أغسطس،،،،،، أستدل الصيف اللندني ستارة وانفض سامره،،،، وبدأت رياح الخريف الموحشة تهب سريعاً كأنها تستقبلني بصفيرها الشجي الحزين ،،،،،فكنت أتعمد أن أسير وسط الرياح المتقلبة في حديقة كنجنستون بارك الملاصقة لشقة أخي لأتمتع بحفيف الأشجار الذي كان يسري في جسمي قشعريرة تكسب وجهي حيرة غريبة،،،،خاصة عندما اعتدت أن أعرج على فتاة غجرية غاية في الجمال تقف عند شجرة باسقة تحت نوافذ قصر الأميرة الراحلة دايانا الموجود في نفس الحديقة وتعزف على القيثارة سيمفونية "المونامور"،،، والتي عرفت لاحقاً أنها للمغني الفرنسي رتشرد أنتنيو،، كانت الفتاة الشقراء تربط رأسها بخيط ذهبي كذلك وتلبس لباس أبيض قصير رغم برودة الجو،،،،، تعزف بهدوء وسكينة في أجواء حالمة،،، وأوراق الأشجار التي تحولت إلى اللون الذهبي في الخريف تتساقط حولها قدميها فتحملها الرياح على أنغام موسيقاها نحو نهر السربنتاين أو تطير في الهواء فتحملها نسائم الخريف فتسافر بها نحو الريف الإنجليزي تاركة الأشجار خلفها جرداء وأشباح شامخة وسط عتمة الضباب،،،،،


    خريف لندن


    وبعد الخريف يأتي الشتاء متسللاً فيقصر النهار لخمس ساعات فقط وتهاجر الطيور الجزيرة البريطانية نحو جنوب الكرة الأرضية تاركة أعشاشها حول الأنهار وفوق الأشجار،،،قبل أن تهطل الثلوج فتكسي تلك الأشجار العارية والبيوت والأكواخ العتيقة ثلوجاً بيضاء صقيلة فتتحول الدنيا جلها بيضاء لا لون آخر فيها سوى زينة وأزياء الحسناوات الإنجليزيات من كنزات واشاربات وقلنسوات مزركشة وأبوات طويلة جذابة،،،،فتصبح الدنيا لوحة كبيرة متحركة صورها رسام عاشق للجمال والحياة،،،،،،،. عندما حل الشتاء أول مرة كنت قد انكفيت في الشقة بجوار جهاز التدفئة العتيق عندما رأيت الثلوج أول مرة وكأني كهل متقاعد من "مكتب مكافحة التسول" في انتظار الموت وبجانبي خير صديق للمتقاعدين "الوجار المليء بالجمر المتقد"،،، ولكني عند الصباح،،، رأيت الأطفال والكبار والنساء،،، بل حتى رجال البوليس يلهون بالثلوج ويتقاذفونه فيما بينهم،،،فتشجعت ونزلت وشاركتهم اللهو واللعب بالثلوج،،، ولم أعد للشقة إلا عندما أصبح جسمي في برودة دجاج الأخوين.
    بعد الشتاء الرومانسي وفصل الأناقة للنساء الإنجليزيات،،،، يأتي الربيع مبشراً بالهواء الطلق العليل ،،، ولا تسألني عن ربيع لندن،،،لكن إن استطعت يوماً ما فأسل عينيك إن كنت تريد جواباً شافياً،،، فلو قدر لك وزرت لندن في الربيع ونظرت لشارع ساسكس قاردن المتفرع من ادجوررود والمتجه إلى بادنقتون ستيشن،،بعد الشتاء مباشرة وعند دخول فصل الربيع فسترى شارعاً أخراً لا علاقة له بالشارع أيام الشتاء،،، فهو قد تغير من ركن الإدجور رود وعلى مدى البصر،،،، لتبدو أطراف الأشجار مستدلة نحو الشارع بألوان زهرية ثم كحلية فحمراء فأقحوانية وبيضاء وصفراء،،،،،،،،،،،،،،،،وأشجار بكل ألوان الطيف مصطفة كعارضات أزياء سرياليات في الهواء الطلق،،،،،،،،،،،،كما تكون أوراقها الأخرى قد اكتست حلة خضراء يانعة وكأنها لمعت طوال الليل

    أما صيفك يا لندن فكان قصة من قصص ألف ليلة وليلة وهو يحمل البشرى بقدوم خير أوان وأحلى الأيام ولقاء حبيب قبل الفراق،،،،،وياليت الدنيا كلها صيف لندن. فعندما يقرع الصيف اللندني أجراسه يطول النهار، فتشرق الشمس عند الثالثة صباحاً وتغرب عند الساعة العاشرة والنصف مساءً فتتهيأ للجميع ظروف استثنائية لمن أراد أن يتمتع بمقاهي لندن وحاناتها ومطاعمها وأنهارها وغاباتها والريف المحيط بها ورحلات اليوم الواحد إلى الضواحي المجاورة،،،ورؤية السياح الخليجين وجلهم من علية القوم تلك الأيام الذين اعتدت أن أراهم دوماً في وسائل الإعلام فقط،،،،وكلما سرت في الحدائق ترى الأطفال المرحين يلهون في الأراجيح والزحليقات والألعاب ،،، وآبائهم يجلسون بالقرب منهم بأناقة فوق سجادات مقلمة وبجانبهم حقيبة رحلات وبها عادة أجبان فرنسية ومربى وأنواع شتى من الخبز وعصائر مختلفة....
    هذه الأجواء الجميلة والفصول المتغيرة بتباين واضح هي بيئة صحية للتأمل والهدوء واستقراء الحياة والتفاعل الإيجابي معها،،،،،،،،،،،كل تلك الفصول عشتها وأدركتها بحواسي الخمس لأول مرة في حياتي،، وغبطت الإنجليز على النعمة التي يرفلون بها وعلى جمالها ،، ولا عزاء لمن بكى من الفرحة عندما وجد فقعة عجفاء في ربيع النعيرية أو عرعر،،،أو ضاع عمره في مطاردة الجرابيع.
    *****

    وعندما حل صيف العام 1985، وقد مر على وجودي الآن نحو سنة في لندن،،،، كانت الأجواء منعشة ودافئة ومشجعة على الخروج والاستمتاع برؤية السياح يسيرون كالأمواج في الشوارع ويأتون من كل حدب وصوب،،، أو يتناولون الطعام ويكرعون الجعة خارج الحانات على طاولات صيفية رصت بكثرة خارج المحلات،،،،. سرت في غرة أغسطس وبرفقتي جاكو من منطقة الكوينز واي حتى ماربل آرتش ثم إستقلينا الأتوبيس الأحمر ذي الطابقين إلى منطقة الليستر سكوير والتي يوجد فيها سينما أوديون وكانت غايتنا هي مشاهدة فلم جمس بوند واسمه A View to a Kill، أو" نظرة للقتل"،،،،الذي بدأ عرضه للتو،،،،،،،في ذلك اليوم ذهبنا مبكراً في الظهر أو العصر،،،لا أعرف تحديداً أي وقت،،،لأن الظهر يؤذن نحو الساعة الثالثة والعصر 6:30 وكان الوقت نحو الرابعة،،، شاهدنا الفلم الذي صورت أكثر معالمه في باريس وشاركته البطولة الفنانة والمغنية وعارضة الأزياء المتوحشة Grace Jones،،، استمتعنا بالفلم ونحن نتناول الفشار والكولا بالثلج ثم خرجنا ومازلنا في وقت الظهيرة فاقترحت جاكو أن نعرج لنتنزه في منطقة "سوهو" التي تقع في الجهة الشمالية من "الليستر سكوير،،،وهي منطقة تعج بالحانات والمقاهي والملاهي والمواخير المتلاصقة،،، فلا يوجد بها مسكن أرضي واحد ، ،،،كما يوجد فيها المدينة الصينية القذرة كالعادة (شاينا تاون)........لكن الذي يميزها أكثر عن غيرها هو سمعة محلاتها السيئة وعصابات المافيا والمخدرات،،،،، فكثير من المحلات التي توجد فيها هي محلات نصب واحتيال وسرقة وبلطجة...سرنا بين المحلات الفاجرة وكان"الدلالين" يشجعوننا على الدخول لمحلاتهم وهم يخبرونا بأن المشاهدة لا تكلف أكثر من 50 بنساً،،،،كنت أجهل عما في الداخل،،،،،ولكن لأن "الولد الشقي نديم" كان دوماً محباً للمغامرة وذي فضول لا حدود له ،،سألت جاكو إذا كان بالإمكان أن نجرب ونرى بأنفسنا ماذا يمكن أن نجد خلف تلك الكواليس ،،،وافقت بعد تردد وقالت لي"بس دير بالك علي" ،،،،أجبتها بابتسامة مطمئنة "ولو جاكو،،،مادمت معي فأنت دوماً في حمايتي"،،،،،ودخلنا بسرعة ووضعنا الخمسين بنساً في فتحة مثل فتحة التلفون فتمكن كل منا أن يرى صندوق الدنيا لأول مرة وآخر مرة في حياته،،،ولمدة دقيقة واحدة،،،،،،،،،بعد أن انتهى العرض،،، لم ننظر لبعض وخرجنا في الشارع وارتدت جاكو نظراتها الأنيقة "شانيل"،،، وما لبثت أن خلعتها وهي غاضبة،،، ورمتها في السماء ثم ركلتها بقدمها محتجة على ما وصلت إليه الأمور،،،وتعبيراً عن الغضب مني شخصياً،،، بالرغم من أني كنت أجهل مثلها عن ماذا في الداخل،،،،،،،اتجهت نحو نظارتها وأردت أن أعيدها لها وأعتذر منها،،،، بيد أنها سبقتني وأوقفت تكسي واستقلته وسارت مبتعدة عني في نفس الوقت الذي حملت فيه نظارتها من الأرض ،،،ولكني استطعت في آخر لحظة أن أقذف بالنظارة داخل التاكسي،،،،،تسمرت في مكاني وأنا ألوم نفسي على الحماقة التي ارتكبتها،،،،،وكنت أتمنى أن تعطيني الفرصة لأشرح لها أني لم أقصد شيئاً يجرحها،،،، وبينما أنا كذلك وإذا بشخص بدأ لي مهذباً جداً يدعوني للدخول إلى داخل المحل وتناول القهوة والكعك الإيطالي الذي لا مثيل له في لندن بعد أن رأى خصامي مع جاكو،،،،،،،،،،،هززت رأسي بالموافقة فأكثر ما أحتاج إليه الآن هو كوباً من القهوة يعيد لعقلي التوازن والهدوء،،،،دخلت بسرعة دون تفكير ولم أقرأ حتى اسم المحل،،،،،فكان المحل من الداخل مطلياً بالكامل بالسواد ولا يضيئه سوى النور القادم من الباب المفتوح،،،جلست على منضدة مواجهة للباب وطلبت القهوة،،، من النادلة التي بادلتني بابتسامة رقيقة،،،،،،،،،لكن سرعان ما أغلق الباب وحل الظلام،،،،فردت حينها علي بصلف "لا يوجد قهوة"،،،يجب أن تطلب شراباً مسكراً،،،،وحددت لي الأنواع التي يمكنني الاختيار من بينها،،،،،،،،أحست عندها أني دخلت في مأزق ويجب أن أتحلى بالحكمة للخروج منه،، فنظرت نحو الباب وإذا بالشخص الذي كان يتظاهر بالأدب يقف كأنه حارس على الباب ويبتسم بسخرية،،،،،قمت واقفا وقلت يجب أن اضرب هذا الصعلوك على حين غرة،،، وعندما أطرحة سأفتح الباب لأخرج للحرية وأنفذ بحياتي،،،،،،،كنت واثقاً من أني سوف أتغلب عليه،،،فرغم ضعفي جسدي في ذلك الوقت إلا أني كنت قبل قدومي للندن أمارس رياضة التايكوندو في نادي الاتفاق وقد حصلت على الحزام الأسود قبل أن أتوقف عن ممارستها بسبب حصول كسر لي أثنا مباراتنا مع نادي القادسية ومن كسر يدي اسمه "عادل الحواج" ،،،لعله يقرأ قصتي ويتذكرني،،،،،،،،،،،،،أذكر مرة أنا قمنا باستعراض بين مبارتي الاتفاق والأهلي التي حضرها نحو 25 ألف متفرج،،،،وكان دوري بين الشوطين أن أقوم بالعدو والقفز من وسط دائرة مشتعلة ناراً ومن خلفها نحو خمسة من لاعبي التيكونود يحملون عدد خمس من الطوب الرصاصي الذي يرصف به الشارع،،،،،فعندما أقفز من وسط النار،،،،أضرب تلك الطابوقات الخمس فأحطمها وسط تشجيع وحماس الجمهور للقوة الخارقة التي أملكها،،،،،،،،،هيء هيء هيء،،،،،،،بس لحظة من فضلكم،،،، لا تحسبوني أكذب عليكم،،،فهنالك سر أكشفه لكم لتعرفوا سر الصنعة،،،،،فالطابوق هذا الذي قمت بتكسيره إرباً إرباً أو إلى شظايا،، ما هو إلا طوب منقوع في الماء لمدة أربع وعشرين ساعة متواصلة،،،،بل أن المشكلة التي كنا نواجهها هي حمل الطابوق بعناية فائقة حتى لا ينكسر بسبب لمسه باليد المجردة،،،،،هذه هي الحكاية وهذا هو السر،،، فلو أن إذني وليس قدمي هي التي لمست الطابوق لتناثر في وجوه اللاعبين الآخرين،،،،لكن بالرغم من ذلك كانت لدي لياقة وبعض من القوة والخفة،،،،،،،،،،،،،أذكر كذلك أيام ممارسة رياضة التايكوندو أن كان معنا شاب اسمه تبارك،،،،،مطوع متهور وعقله ملحوس ،، وكان شجاعاً ومهووساً وحاد الطباع،،،،ومدربنا ياباني يكسر الحديد والطابوق غير المنقوع والأخشاب الغليظة،،،، لكن عندما أختلف المدرب الخارق يوماً ما مع تبارك المهووس،،،، حسب أن تبارك سيكون لقمة سائغة بين يديه،،فصرخ في وجهه بقوة وعندما استدار تبارك عائداً إلينا،،،،أعطاه المدرب شلوت محترم،،،،،،الأمر الذي جعل تبارك يسود ويحمر ويكفهر وجهه ثم يرتد فيحمل المدرب ويقذف به على الأرض ويمرغ أنفه بالتراب ويضع قدمه على رقبته حتى كاد أن يدق عنقه،،، وقد أثر هذا المنظر على ثقتنا في المدرب ولم نعد نحترمه بعدها البتة،،،،ولم ينقذه من "تبارك" إلا نحن عندما ترجيناه وقلنا له "امسحها بوجيهنا يا تبارك،،،،طالبينك تفك الياباني ترى عنده عيال صغنونين ينتظرونه في البيت"،،،،خخخ،،،. تبارك واصل نشاطه وهوسه في حياته لاحقاً،،، وأخر قصة سمعته عنها أنها عندما ذهب لإكمال الدراسة الجامعية في الرياض وبالرغم من أن شكله يوحي بأنه مطوع تقليدي،،،، فقد خطط لسرقة أسئلة الامتحانات من الجامعة التي كان يدرس فيها،،،، وكانت خطته الجهنمية تقضي بالدخول للغرفة التي كان يعتقد أن فيها الأسئلة عن طريق فتحات التكيف المركزي ،،، وفعلاً حشر نفسه وسار في متاهات فتحات التبريد،،،يمينا وشمالاً وشرقاً وغرباً حتى تاه من كثرة ما دخل من تحويلات إجبارية،،، فظل الطريق في آخر الأمر ولم يعرف حتى خط العودة ،،،ومما زاد الطين بلة بأنه أصيب بالإعياء بسبب البرودة الزائدة فوصل فوق غرفة الفراشين وسقط من الفتحة بالقرب من فنجاين القهوة وأباريق الشاي مستغيثاً بهم من البرد وقال لهم "دثروني سأموت من البرد"،،،، وبعد التحقيق معه طرد من الجامعة شر طرده،،،،ومؤخراً قبل شهر فقط،،،كنت مع زميل في رحلة وأخبرني بأن تبارك بدأ بتعلم الملاكمة بعد أن بلغ من العمر عتياً،،،خخخخ

    معليش شطحت بكم بعيداً،،، المهم نرجع لمدعي الطيبة الذي كان يقف عند الباب،،،،قمت بعمل حركة سريعة وكأني فريد شوقي وقلبت الطاولة وقفزت في الهواء نحوه وأنا أحسبه والله حسيبة بأنه طابوقة منقوعة في الماء وضربته ضربة موجعة في بطنه ترنح للخلف فأكملت خطتي لفتح الباب والهروب ولكن الباب كان مقفولاً ولا يمكن فتحه،،،،،،،،تباً لكم أيها المجرمين،،،أين المفر منكم،،،،،،،،،،،،،،،،،،،وفي هذه الأثناء سمعت البنت الشريرة تنادي بأعلى صوتها "غوريلا"،،،"غوريلا" لدينا زبون يريد أن يقابلك،،،،وفعلاً ظهر لي من خلف أشرطة سوداء معلقة على كوة "فتحة" رجل أسود أفطس جرم عكنف أجزم أنه لو تزوج بغوريلا لطلبت منه الطلاق في الصبحية غير المباركة،،،،،تقدم مني الغوريلا وبعد أن شتمني بحرف الإف نزل بيده على رأسي بضربة رأيت معها شرراً وبرقاً يومض أمام عيني،،،فسقطت على الأرض،،، وجسمي كلها يهتز من قوة الضربة،،،،،،،،وعندما استويت على الأرض،،،رأيت من خلف الأشرطة السوداء المعلقة لوحة "مخرج الطوارئ" وهي ما تلزم بها جميع المحلات في لندن ولكنها مخبأة بشكل جيد خلف الأشرطة ولولا أن سقطت لما رأيتها أبداً ،،،،فقررت عمل أي شيء للهروب من باب الطوارئ،،،،فأظهرت لهم بأني سوف أنفذ كل ما يريدون لكن يجب أن يتوقف مسلسل الإهانات والضرب،،، وعندما ادعيت بأني سوف أقف فررت بسرعة البرق من تحت الأشرطة المدلاة وقفزت على باب الطوارئ الذي فتح بسرعة مقروناً بصوت جهاز الإنذار ومن سرعتي في الهروب اصطدمت بعامود إنارة خلف باب الطوارئ في نفس المكان الذي ضربني فيه الغوريلا،،،،،،،،،،،،،،،يعني جات الطوبة في المعطوبة،،،،،،،،،،،،،تحسست نفسي وأنا أبتعد والناس ينظرون إلي بفضول فلم أجد أثر لدماء فتوقعت أنه أمر بسيط وسيزول خلال أيام رغم الألم والصداع الشديدين الذي أحسست به.
    سرت نحو اللستر سكوير،،،وفي منتصف الطريق نادني شخص مصري سائق تكسي خاص عرفته سابقاً واسمه عبد المنعم،،، وهو مصري قح تعرف أنه مصري لو رأيته في الإسكيمو،،،،كنا نسميه "شفاط النمل" لأن له بوز طويل ضارب املط مثل محمود ياسين،،،لكن بدلاً من النمل كان دوماً يأكل الفص فص،،،،وبالرغم من أنه متزوج من انجليزية وعايش في لندن إلا أن كل ملابسه من مصنع "غزل المحلة" في مصر كما أخبرنا هو بذلك بفخر شديد،،،"صنع في مصر" على قولته،،،،لكنها كانت صناعة رديئة تلك الأيام وتظهر صاحبها وكأنها متأخر قرناً من الزمان عما يلبس الناس من حوله،،، بادرني عبد المنعم،،،،مالك يا نديم أنت مش على بعضك،،،،تخانقت،،،،رديت بالإيجاب وقصصت له القصة،،،،،فأخذني بدون مقابل كما أذكر وأوصلني للشقة وأعطاني نصيحة بأن أضع ثلج مكان الإصابة وأخذ مسكن للألم وغداً حكون زي الحصان،،،،،،،صعدت الشقة واستلقيت على السرير وأحسست بالنصب والآلام الشديدة وثقل شديد في رأسي وعدم القدرة على التركيز وأحسست بالضعف الشديد والوهن،،،،،وكأني طفل صغير لا حول لي ولا قوة،،، وبالرغم من وجود الهاتف بجانبي وبإمكاني الاتصال بهاتف الطوارئ المتطور في بريطانيا والذي يحضر في معدل خمس دقائق لإسعاف المريض،، أو الاتصال بالملحق العسكري أو السفارة التي كانت أرقامها متوفرة لدي إلا أني أحسست أني محتاج في تلك الفترة الحرجة إلى أمي فهي الوحيدة التي كنت أعتقد أنها ستحس بآلامي التي تكاد تقضي علي وينفجر رأسي بسببها،،،، فأختلطت آلامي،، بحاجتي لحنان أمي،،، فأمسكت الهاتف وضغطت على الأزرار 0096638،، وكانت أمي هي من ردت علي في الطرف الآخر من الكون،،،،، وعندما سمعت صوتها أجهشت بالبكاء،،،،،،،،وقلت لها فقط أني أحبها،،،،،ولم أستطيع أن أكمل فقد بدأت أدخل مرحلة بين الغيبوبة والصحوة،،،،،،،،وطاف في مخيلتي ولا أعلم لماذا لحد الآن وأنا أتحدث معها "زحليقة قديرة"،،، وهي صخرة ملساء كبيرة جداً بحجم منزل من ثلاثة أدوار موجودة في الطائف،، في منطقة كانت برية يوما ما وهي من ضواحي الطائف واسمها قديرة،،،كنا نذهب للتنزه عندها عندما كنا أطفال مبهذلين حفاة،،شبه عراة،،،وكان يأتي إليها في الصيف الأميرات الصغار في السن ومعهن العبيد ونحن نبتعد عنهن حتى ينهين لعبهن وكنا مشدوهين من الحمرة التي يضعنها لأنه في تلك الأيام لم تكن حتى النساء الكبار في حارتنا يضعن الحمرة ،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،وبعد أن ذكرت لأمي "عن شوقي للزحليقة" لم أعد أعي شيئاً وأذكر فقط بكاء أمي على الهاتف ،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،ً.
    بعد أن أسقط في يد أمي ولم تفهم ماذا وراء هذا الاتصال الغريب،،، قامت للتو بالاتصال بأخي لتطمئن عليه بعد أن التبست عليها الأمور وأخذتها الظنون،،، فأكد لها أخي أنه هو بخير،،، ولكنه لم يرني طوال اليوم على غير العادة،،،،،ثم اتصل أخي بدوره بي فوجد الخط مشغول،،،،،،،،،،،فأخذ بيده مفتاح الشقة الاحتياطي وطلب من الممرضة فصل أجهزة التغذية والأدوية الموصلة به وأخبرها أنه سيذهب لزيارة مريض في غرفة أخرى حتى لا تمنعه من القدوم إلي نظراً لخطورة وضعه،،،،،،وصل أخي للشقة وعندما نظر إلي تفاجأ بأني مسجي بلا حراك فوق السرير،،، ورأسي كان ضعف حجمه الطبيعي بسب الورم الذي ألم بي نتيجة معركتي الخاسرة مع الغوريلا،،،، وبخبرة أخي الطبية البسيطة عرف أنه نزيف في الرأس فأتصل من فوره بالإسعاف والذي وصل بسرعة ونقلني نحو مستشفى كروميل والمملوك للشيخ المحبوب زايد رحمه الله ويقع في جنوب الهايدبارك بشارع كروميل روود،،،،،،،،وصلت للطوارئ وشخصت حالتي بأنها نزيف بسيط في الرأس من شدة الضربة،،وتم عمل عملية بسيطة في مقدمة الجمجمة وسحب الدم المتجمد وتم تنويمي وأنا غائب عن الوعي لمدة ثمانية أيام،،،،، كانت كلها أحلام بأيام الطفولة والصبا،،، ولم تخرج عن مدينة الطائف أبداً،،،،علقت الأحلام كثيراً ب "زحليقة قديرة" ولا أعلم هل ذلك بسبب أنه آخر شيء قلته قبل أن يغمى علي،،،كذلك حلمت بقصة طريفة عندما كنت ألهو في الشارع الرملي في حارتنا وقدمت سيارة مرسيدس من النوع القديم يركبها "خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله" ولم يكن قد أصبح حتى ولي للعهد آنذاك،،،،،،،،،،نظرت لذلك الشخص المهيب المنكس عقاله على الآخر وبجانبه سائق أسود البشرة،،،،،،،،وسيارته تتجه ببطء نحوي ،،،فالشارع ضيق ورملي،،،،وعرفت أنه أمير ولكن لم أعرف من هو وصرخت نحوه يا أممممممممممممممير،،،،نظر لي بابتسامة رائعة،،،،لكن جارنا الشاويش "محمد الأحمري" الذي كان يراقب المنظر ويعمل عسكري في الصيانة في الطائف قدم إلي وأعطاني كف على قفاي،،،وقال "تدري لو رجع لك كان قص لسانك على لقافتك"،،،،صدقته والله،،،،فقد كان لدى كبار السن في تلك الأيام خوف وهلع غير مبرر من الأمراء،،،،هذه والله قصة حقيقية تذكرتها كثيراً في غيبوبتي وأنا مسئول عن صحتها،،،حتى لو استدعيت من قبل الديوان للتحقيق فيها،،،،،،،،،،،خخخخ،،،
    بعد ثمانية أيام أفقت من غيبوبتي وأنا أسمع صوت مريض آخر جار لي في الغرفة وهو يخبرني بأن خالي كان هنا قبل قليل لزيارتي وقد غادر قبل قليل،،،،لم أستوعب ما قال جيداً فأنا لم أزل بين الغيبوبة والحياة،،،،،لكن بعد مرور بعض الوقت بدأت أعرف أني في مستشفى وأحسست بالألم برأسي وبدأت باستدراك الكثير من الأمور وتحسست أعضاء جسمي كلها خوفاً أن يكون قد بتر أحدها،،،،شعور غريب لأني لم أكن أعرف ما الذي يجري،،، هل أصبت بحادث أو انفجار قنبلة أم ماذا؟؟؟،، ومن الذي أتى بخالي إلى لندن وفي المستشفى ومتى حدث كل هذا،،،،ولكن المريض الذي عرفت أن اسمه "باري" قد انبرى بالحديث معي عن إصابته وأخبرني بأنه ذهب برحلة استجمام هو وثلاثة من أخوته إلى مدينة برايتون الساحلية وكانوا يلهون في البحر وركبوا ثلاثتهم حماراً لئيماً في ذلك اليوم،،، فصعدوا بهم تلة مرتفعة،،وعندما قرروا العودة نحو الشاطئ،،، انتقم الحمار اللئيم منهم ومن حملهم الثقيل بطريقته الخاصة’’’’فجرى بهم بسرعة نحو أسفل التل،، وما أن بلغت سرعته أقصاها،،، توقف فجأة فسقطوا جميعاً من فوقه ما عدا "باري" الذي تعلق بذيل الحمار،،، لكن الحمار طلع أشطر من باري ،،فقام برفسه فوق رأسه،،،فسقط مغمى عليه،،،،،،،،،،
    عندما ذكر باري ذلك تذكرت كل شيء،،،،،وقلت له حمار؟؟؟،،،،،،،،،،،حمار يا "باري"،هذي آخرتها،،،،،،،،،،أنت خصمك حمار،،،،أنا أفضل منك،،،،،،،،،،،،،،أنا خصمي "غوريلا" ولا فخر،،،،،،،،،،،،خخخخ

    الآن تذكرت كل شيء ،،،وأخذت الهاتف واتصلت بأخي في مستشفى هارلي ستريت كلينك وتفاجأت بأن والدتي هي من ردت علي ،،،وبكت من شدة الفرحة،،،،،،،،،،وكان فعلاً معها خالي وأبي وأخي الذي كشفت خطة هروبه من المستشفى فأصبحت الحراسة مشددة عليه هذه المرة،،،خخخخ.

    لم أخبر أحداً عن سبب إصابتي وادعيت أني كنت ألعب بالزلاجات في الهايدبارك وسقطت على الأرض وهذه هي الحكاية،،،،،،،،،،،،،،وقد أكدت على "باري" بعدم إفشاء السر وهو الذي أخبرني بأن من حقي رفع دعوة وسوف أكسب الكثير من المال عن طريق محامي يأخذ أتعابه من الغرماء،،،،،،،،،ولكني أضمرت للغوريلا شراً ستعرفونه في حلقة قادمة..................

    بعد نحو ثمانية أيام من تنويمي في المستشفى خرجت في تاريخ 11 أو 12 أغسطس على ما أعتقد،،،، وذهبت في البداية لزيارة أخي وشكره على مجازفته بالخروج من المستشفى وإنقاذي من موت محقق، فلو استمر النزيف والإغماء لخمس ساعات لاحقة لفارقت الحياة كما أخبرني طبيبي الدكتور "هورنر" الدمث الأخلاق،،،،،،،،،،،،،،،،،عانقت أمي وخالي،،،أمي التي كانت في البداية تخشى أن تفقد ابنها المريض مرض عضال،،، وهاهي تكاد أن تخسر الاثنين معاً،،،،ولكن الله سلم وعمر الشقي بقي.
    بعد أن استقرت الأمور أخبرني أخي بأن هنالك موظفة تدعي بأنها من سفارة "دار الحي" قد اتصلت مراراً تسأل عني وقد أخبرها بأني منوم بمستشفى "كروميل"،،فردت على أخي بأنها سوف تزورني في 15 أغسطس لأمر هام،،،،وقد استفسر أخي مني عن تلك الموظفة،،،رغم أنه أبدى شكوكه من أنها تتصل من لندن،،لأن خطوط الاتصالات الدولية كانت غير واضحة مثل الآن،،،،،لم أتمكن من التهرب من جواب أخي وادعيت أني لا أعلم عن الأمر شيئاً ،،بيد أني كنت في داخلي سعيد جداً باتصالها في المستشفى على أخي،،،،،لكن كيف عرفت رقم أخي،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،عدت للشقة وأدرت رقم الاتصال بدار الحي 00971، وسمعت صوت شفاء فسرت في جسدي قشعريرة عندما قالت "وا عني يا نديم" وش صار فيك يا حيا..،،، ليته فيني ولا فيك،،،،،،،،،،،،،. كلمة "واعني" أي فديتك بروحي،،،،كانت بلسماً شافياً أفرزت في جسمي مادة "الأدريانيل" التي تولد للإنسان الشعور بالمتعة والثقة وتزيل الشعور بكل الآلام،،،، تبادلت معها الأخبار،،،وقلت لها بأن لك يا شفاء والله من اسمك نصيب،،،فما بقي بي من آلام قد تلاشت تماماً عندما سمعت صوتك،،،،ردت بسعادة،،، إذن انتظر لتراني بعد يومين،،،فأنا قادمة في رحلتي الصيفية إلى لندن،،،،وسوف أرى ماذا سيحل بك عندما تراني،،،،،،،،،رددت سوف يغمى علي مرة أخرى،،،وضربتان في القلب توجع يا شفاء،،،،،،،،،،،،،لكني على كل حال في انتظارك على أحر من الجمر مهما يكن الأمر،،، وذلك في مطار هيثرو بعد يومين،،،،،،،إلى اللقاء،،

    ذهبت من فوري لوكالة عربية في لندن اسمها نفرتيتي تنظم رحلات في ادجوررود وحجزت رحلة لثلاثة أيام من موعد وصول شفاء لمدينة بلاك بول الترفيهية وحجز غرفتين منفصلتين في فندق إمبريال هوتيل IMPERIAL HOTEL BLACKPOOL. استقبلتها في المطار في الصباح الباكر،،، وقدمت لها باقة ورود بيضاء ،،،واستقلينا التاكسي حتى ادجوررود ووضعنا الحقائب في شقتها ،،،لكن للأسف فالحافلة المتجه إلى بلاك بول قد غادرت لندن إلى بلاك بول منذ أن كنت في المطار،،، فاستقلينا القطار من محطة يوستن حتى بلاك بول ووصلنا إلى الفندق قبل أن تصل الحافلة بنحو ساعة ووجدنا أسمائنا ضمن الحجوزات في غرفتين متقابلتين،،،،،،،،،.

    كان الجو منعشاَ وصيفياً جميلاً في بلاك بول،،،،المدينة الشاطئية التي تقع في الشمال الغربي مقابلة للبحر الأيرلندي أو بداية المحيط الأطلسي،،،،وتتميز بوجود الملاهي والألعاب على طول الشاطئ الذهبي الجميل،،،،،،،،،،،،،

    بلاك بول

    ذهبنا من فورنا إلى الملاهي الرئيسية في بلاك بول وهي نسخة مصغرة عن والت ديزني،،،ولم أركب الألعاب الخطرة لعدم ثقتي بشفاء إصابتي تماماً بعكس شفاء التي كانت تسرح وتمرح في كل لعبة وهي تضحك علي بأني لا أستطيع أن أجاريها اللعب،،،،والحمد لله أنها لم تستطع أن تستفزني لأنها عندما عادت من لعبة قطار الموت،،،، عادت وهي تبكي من الخوف،،،، وكحلها البدوي يملأ وجنتيها وشعرها منكوش وقد طارت "شيلتها" في السماء،،،،نحو أيرلندا الشمالية،،،خخخ،،، ولو أني طاوعتها وركبت معها لطار الشاش الأبيض الذي يلف رأسي،،،،لكني كنت متأكداً بأن الشاش لو طار فهو لن يطير لوحده،،،بل سيحلق في السماء بحثاً عن شيلتها ليعانقها ويطير بها بعيداً في غياهب بحر الظلمات،،،،،.
    أخذنا راحة قصيرة بعد ذلك عندما حل وقت الغداء في مطعم وسط الهواء الطلق وطلبنا فش آند شبس ونحن نراقب أحد المحلات التي تعمل قوارير فيها رمال ملونة وأخرى لعمل ساعات رملية جميلة تنقلب بعد مرور ساعة كاملة،،لتبدأ بالانسكاب لساعة أخرى،،، ومكتوب عليها ساعات "بلاك بول الرملية" عشرة جنيهات للواحدة،،،،،،،،،،،،،،،،انتهينا من الغداء وخرجنا نحو الشاطئ الرملي الجميل وبدأت لي شفاء بروح معنوية عالية فتخلصت من حذائها وجرت حافية كسندريلا على الرمال الذهبية وأنا أنظر بافتتان لقدميها الجميلتين التي تزينها نقوش الحناء الغاية في الروعة والأنوثة،،،،فدنوت منها وأخذت كيساً فارغاً وجمعت فيه الرمل الذي وطئتها بقدميها وهي ترقبني بحيرة،،،،،،،،،وقالت نديم "ما بك" هل تريد أن تسحرني،،،لن تستفيد شيئاً فقد تمكنت من روحي بدون سحر،،،،،،،،،،،رديت عليها ،،لو كان الأمر بيدي لسحرتك سحر تفريق،،،،لأني في هواك أصبحت كالغريق،،،،وأخذت الرمل الذي فيه أثرها وعدت معها إلى صاحب الساعات الرملية وطلبت منه أن يعمل لي ساعة تحمل الرمال الذي وطئتها قدميها،،،،فأبتسم الثعلب الإنجليزي بمكر،،، وقال سوف يكلفك ذلك خمسون جنيهاً يا سيدي،،،،تعال في الغد وستكون الساعة جاهزة بين يديك،،،،،،،،،،قلت له بل اصنعها الآن أمامي كي يطمئن قلبي أنك لن تغير "الرمال التي وطئتها شفاء" وخذ مئة جنيه،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،الساعة لا زالت تتقلب في مكان آمن في "مغارات تورا بورا" منذ سنوات عدة عندما ذهبت للجهاد في أفغانستان ولم أتخلى عنها وكنت أتمنى أن تدفن معي ولا يصادرها من كان يريد أن يبيعنا مثل الغنم بألفي دولار،،،،،،،،،،،،،ولم تهتز يوما من قنابل زنتها 20 طناً،،، وعدت من دونها والله وقاني من اسباب المنيه




    يتبع
    7 "
  2. ابداع قصصي وملكة كتابة استثنائيه نرفع لها قبعاتنا احتراما يا استاذ نديم
    نادرا ماتمر علينا اسلوب قصصي رائع بهالمستوى في منتدياتنا اللي تمتلي بكتابات المترديه والنطيحه كثير من الاحيان
    الاكيد ان اللي عاش جزء من مراهقته بالثمانينات والتسعيات بكون اكثر القراء استمتاعا بمذكراتك لانها حركت ذكريات قديمه قد غشاها الغبار بهالوقت واعاد الذكرى لذيك الايام الحلوه
    فاصل ..وبليز واصل ولو بحلقه قبل العيد ..عايد قرائك فيها
    شكرا لك على هالابداع
    7 "
  3. كم أنت رائع أيها النديم,, وكم تملك من مهاره في فن الرواية ,, ويالها من مفردات معبرة تصف القصه بكل معناها , وكم أعجبتني كثيراا مذكراتك التي قمت بتحميلها على سطح مكتبي,, لله درك أيها النديم ,, ويالك من شخص في غاية التكمن من الوصف ,, مشاء الله عليك

    للأمام سر...........
    7 "
11 من 17 صفحة 11 من 17 ... 610111216 ...
ADs

قم بتسجيل دخولك للمنتدي او

الانضمام لمبتعث

Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.