الأعضاء الإشتراك و التسجيل

الملتقيات
ADs

جرح الكِبرياء ،، سلسلة قصة حب

جرح الكِبرياء ،، سلسلة قصة حب


NOTICE

تنبيه: هذا الموضوع قديم. تم طرحه قبل 2730 يوم مضى, قد يكون هناك ردود جديدة هي من سببت رفع الموضوع!

قائمة الأعضاء الموسومين في هذا الموضوع

  1. الصورة الرمزية ابراهيم اليحيى
    ابراهيم اليحيى

    مبتعث جديد New Member

    ابراهيم اليحيى الولايات المتحدة الأمريكية

    ابراهيم اليحيى , ذكر. مبتعث جديد New Member. من السعودية , مبتعث فى الولايات المتحدة الأمريكية , تخصصى موارد بشرية , بجامعة Purdue University
    • Purdue University
    • موارد بشرية
    • ذكر
    • West Lafayette, IN
    • السعودية
    • Jun 2010
    المزيدl

    June 23rd, 2010, 07:59 PM

    جرح الكبريـاء

    (1)







    لا يوجد في العالم سوى جميلتين : أنتِ و أخرى تشبهك ، رسائل تزداد رونقاً كل يوم لجزالتها العاطفية ، كان يخشى أن يصاب بحبّ أعجمي لكثرة من حوله من الفتيات ذوات البشرة الملائكية ، كل أحلامه سخرت من نفسها حيال الواقع الذي شهده ، حتى الأحلام بدت وكأنها متكبرة تحت ظلال جرح الكبرياء !!

    إنها من عائلة غنيّة جداً تسكن في مدينة الخبر الساحلية ، هذه المدينة التي هي مجمع الفقراء و الصالحين و المتواضعين و السارقين و المتكبرين ولا ينبئك مثل خبير ، بالطبع ؛ فمدينة الخبر لا تخضع لـِ " كما تكونون يولّى عليكم " ؛ لوجود المتناقضات بها ، إنها فتاة لها من العمر 23 عاماً قضت رُبْعها في أُوروبا وبقية عمرها كان هالة من الأفراح تقدر بمئات أعمار البؤساء .

    جواهر ، لها بياض كالندف بحمرة الورد ، من رآها ظنّها لؤلؤة مكنونة في بحر الخليج ، كانت تكبرها فتاة لها جمال خلّاق يحفل بأحلام الأمراء عبيدو المال ، والدها توفي وعمرها لا يعدو خمس سنين ، بدأت مرحلتها الدراسية في مدارس الحصان الأهلية ، وأتمّت فيها المرحلة التمهيدية والابتدائية والمتوسطة وأخيراً الثانوية ، وذلك بالمقياس السعودي للتعليم ، أما بالنسبة للمقياس الفنلندي للتعليم فإنها أتمّت المرح في حضانة للأطفال بتقدير جيّد !!

    أختها مثقّفة جدًا ، بل وكاتبة بارعة ، تتصفح يوميّاً موقع الساخر و جسد الثقافة و شبكة المعالي بكل رشد وحيوية ، تتابع بشغف ما تكتبه إيمان القويفلي ونجيب الزامل والسيّد ولد أباه عبر جريدة الاتحاد الإماراتية ، كل ما فيها ينبئ عن فكر متّقد ونظرة عميقة للأحداث ، كان لها مجلس ثقافي في بيتهم تتجاذب مع صديقاتها المواضيع المستجدّة باستلهام عظيم للتاريخ وفحواه ، كان يشار لها بالبنان عند الخاصة لتميّزها في الثقافة ولطيب أخلاقها وجمالها كذلك ، نسيت أن أخبركم بأن اسمها نور .

    بالطبع تخرجت جواهر بنسبة 98% من الثانوية العامة (الخاصة) ، وبدأ تفكير العائلة بمن فيهم عمّها الوحيد في إكساب أي جامعة شرف قبولها ، إنه الهمّ الذي يسيطر على معظم العائلات السعودية بمن فيهم العائلة المالكة ، كانت أولى أفكار عمّها بأن تقدّم أوراقها في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن ؛ ولأن عمّها قضى ثلثيّ عمره في أوروبا إحصاءًا لثروة أخيه (والدها) ومتابعة ما بدأه من تجارة ؛ فكان لا يعلم ببعض المعلومات عن مدينته ، وكانت المفاجأة الكبرى عندما ذهب لمدير قسم التسجيل والقبول في جامعة البترول ليستفسر عن الإجراءات ؛ فإذا المفاجأة تكتمل حلقتها العضوية بأن الجامعة مخصصة للبنين !!

    ماذا ؟!
    للبنين فقط !!
    وماذا عن نصف المجتمع وأخوات البنين !!

    لم يصدق عمها سعود ما سمعه فنزل إلى الدور السفلي ، حيث تجرى حملة للتبرع بالدم ، تظاهر على الممرض بأنه أحد دكاترة الجامعة وزوده ببطاقة أحواله ، ثم مدّ خيّال قلمه (يده) وسحبوا من دمه ما يقارب 500 مل ، وطلب من الممرض المتدرب أن يعطيه 50 مل لأنّه يريده ، تعجب الممرض وتحت تأثير سحر الإقناع استجاب لطلبه ، توجّه مباشرة إلى مكتب مدير الجامعة وأخذ الورقة الرسمية للمخاطبة ، وكتب رسالة حبرها من دمه إلى معالي مدير الجامعة :


    " إلى معالي مدير جامعة البترول د. خالد ..
    السلام عليكم ..
    ما أعرف أكتب زين بالعربي ، ولأني أكتب من دمي ، فأنا متظايق جداً ؛ لأن الجامعة بس للأولاد ، طيب وليش البنات ما يكون لهم نصيب في الجامعة هذي ؟ وإلا فلوسكم ما تكفي علشان تفتحون للبنات قسم خاص فيهم ، أنت الحين دارس بأمريكا ومثقف ، ولا تطالب بهالشي ، الله يسامحكم ياللي انصرفت عليكم فلوس الدولة وما رجعتوا تنصحونها كثُر ما تآخذون منها .
    شاكر لكم حسن تعاملكم وتوفيركم خطاب رسمي للكتابة عليه ، بس يا ليت تخلّون الورق أثقل علشان لا يخرّ دم الناس منه ولا تقدرون تقرون رسايلهم .
    سعود ...
    055588.... "


    هذه الرسالة تُنقل بحرفها ؛ لأن القضية أضحت مطالبة علنية للعلمانية التي تأخذ معنى معاداة السامية بالنسبة للهيلمان الإسرائيلي المنبوذ ، ربما تتضح المعالم أكثر في قصص قادمة !!

    جواهـر أخبرتني بكل شيء لا تعلمه ، بل أضافت صمتاً بما تعلمه ، ظهرت مسيرة أعلام عجيبة في قصة جواهر ينبغي لكل مخيال أن يبحر في فضائها ؛ لأن كلية البنات في الدمام تعتبر قدحاً بإحدى بنات الخبر أن تدرسَ فيها ، وهذا هو السبب الرئيس لنجاح جامعات المملكة البحرينية المتحدة الشعبية الديمقراطية و تأسيس جامعة الأمير محمد بن فهد بن عبدالعزيز حفظهم الله جميعاً ورحمهم ، قررّت جواهر أن تواصل تعليمها في كلية البحرين الجامعية على أن تذهب يومياً إلى هناك ، تتحمّل متاعب السفر جميعها من جوازات وتحرش بعض رجال الجوازات بها وغير ذلك .
    كطبيعة المسؤولين لم يرد د. خالد على الرسالة لكنه استغرب فعلا من فكرة حبر الدم ، د. خالد إنسان عظيم جدا ولا توجد لديه تصرفات غير مسؤولة ككثير من المسؤولين المحليين ، اتصل د. خالد بسعود وتوسل له بأن يلتقيه ، سعود تعجّب في قرارة نفسه من اتصال مدير الجامعة به وأسرّ إلى نفسه بالتكبر ، تظاهر سعود بأن السفر له موعد معه إلا أنه آثر أن يجلس من أجل مصلحة وطنية محضة !!



    ذات يوم أعدت نور محفلاً ثقافياً عظيماً في بيتها ... يتبع لاحقاً ،

  2. ..

    جرح الكبريـاء

    (2)







    ذات يوم أعدت نور محفلاً ثقافياً عظيماً في بيتها ، استضافت فيه أديبات كثُر ليتناقشن عن كتابها الجديد "رؤية ذاوية" ، جمعت نور فيه إرهاصات لأيام القهر المعنوي التي تواجهه المجتمعات العربية ، وخصوصاً في المملكة العربية السعودية ، حيث ظهرت على صفحة جريدة اليوم في اليوم التالي عن جلسة ثقافية عُقِدت بمناسبة مناقشة كتاب ستبرزه الساحة الثقافية لعطشها له ، لا أحد يعلم كيف مرّت من مقص الرقيب أو المكبح الصحفي ، وأبجديات خطاب الكتاب تفيد بوجود حلم لأن تصبح إحداهن ملكة للبلاد ، تأتي قصة حلمها بأنها اكتسبت كثيراً من همهمات الخطاب السياسي الدولي ومواثيقه وأسس تقدم الغرب والشرق ، كانت تتحدّث عن فتاة شبه سعودية نالت العلم من جامعة السوربون في فرنسا ، وسارت في أروقة الجامعة متقلّبة في مدارس فكرية عديدة من داخل الحرم الجامعي وخارجه ، كما كان يحصل تماماً في الجامعة الأمريكية بلبنان ، حصلت على درجة الماجستير من هناك وواصلت دراستها العليا من فرعون العصر أمريكا ، واصلت أبحاثها عن الحداثة والعولمة والخطابات الدينية والاجتماعية ، إلى أن أتت أهم ساعة في حياتها وهي التعرف عن كثب عن المجتمع الصيني ، أصرّت على تعلم الصينية حتى أتقنتها تحدثاً و كتابة و فهماً ، كانت تصرّ نور على إضافة الفهم لأنه مفقود غالباً عند كثير من أساتذة الجامعات وبعض الوزراء ورجال الدين ، كتاب نور يتحدث بهدوء عن الهدوء تجاه معضلات كبرى ، تثير فيه قضايا مصيرية ستصيب المجتمع السعودي إذا لم يكافح بشدة بعض التصرفات غير المسؤولة التي تظهر من مسؤولين كبار ، جمعت الكاتبة أساليب للنهضة من رؤية مدنية أصيلة لا تتعارض مع جوهر الإسلام ، فالإنكار في السعودية يأتي عادة من طريقين لا ثاني لهما : الأول من الدولة الدينية ، والثاني من المؤسسة الدينية التي تتبنّاها الدولة ، المضحك أن بعض الليبراليين قد يُدفع لهم شيء ، أما الإسلاميون فإن أغلبهم يرفضون ذلك بتاتاً ويقدمونه مجاناً من دوافع إخلاصية !!


    فعلاً بدأت جواهر التجهيز لبداية حياتها التعليمية هناك ، باذلة جهدها كلّه لتحظى بتعليم يليق بعظمة حقيبتها التي تحملها بذراعها الوضاء بخيال العاشقين إلا أنها تفاجأت بأن الكليّة ليست مدرجة في الترتيب العالمي للجامعات ، فضلاً عن أي شيء آخر ؛ وذلك لسوء جودة التعليم .


    بحال الطبيعة ، اجتمع د. خالد مع سعود في مكتب معاليه ، أفضى سعود بكل ما يعلمه من تقدّم في حياة الغرب ومبدأه الذاتي للتطور ، تحدث سعود بشفافية عمياء عن اضطهاد المرأة السعودية بشكل عام وفي المرافق العامة من وزارات ومكاتب العقار (المحاكم) ، أنصت د.خالد بتفاعل رائع وكأنه هو المتحدث ، حتى انتهى سعود إلى سد ينبغي لكل مواطن سعودي أن يقف عنده .. وهو الحديث عن السياسة الداخلية والإصلاح ، أومأ له د.خالد بأن الحديث في مثل هذه الأمور لا يولّد سوى النكبات .

    شعرت جواهر بأنها بيدق شطرنج حائر تعبث به التحديات ، تحدثت مع عمّها بشأن أن تسافر إلى أمريكا لمواصلة دراستها ، كانت هذه الفكرة استوائية بالنسبة لعمّها سعود من حيث دفْء الأعراف وغيث المعرفة ، أخبرته جواهر بأن العديد من صديقاتها ذهبن عن طريق بعثة خادم الحرمين الشريفين ، إلا أن الأمر قد يحتاج إلى قليل واسطة التي يقصدها علية القوم قبل العامة لسبب بسيط وهو المباهاة ، لا أعلم كيف يغيب عن ناظري هؤلاء المتسوّلين بأن الأغنياء جميعهم يودّون الانتساب إلى الفقر ولو بمقابل تزوير عقد عمل كادح ، إن هذا النوع يعتبر من شهوة الفخر الذي يشكل تحديّاً كبيراً للقيم و المبادئ ، خصوصاً أنه يأتي من رعايا يطلق عليهم علية القوم ، أجاب سعود ابنة أخيه جواهر بأن الأمر بسيطٌ جداً ؛ فالمعارف كُثر .

    د. خالد يعلم الكثير عن المشاكل البيروقراطية التي تشكل عائقاً رئيسياً للبلد ، لكنه يأخذ بمبدأ التحدي من أجل النهضة ، فمثلاً هل يعقل بأن د. غازي القصيبي (شفاه الله وعافاه) لا يعلم عن مشاكل المواطن وهو الأربعة وزراء والسفيرين والأديب والشاعر ، إنه يتخذ نفس المبدأ المذكور آنفاً ، إنّ عالمنا الوطني كما يقول أرسطو هو تراجيديا لمن يشعر ويحسّ ، وكوميديا لمن يتأمل ويفكر ، عموما رحّب د.خالد بأفكار سعود وتعهّد بأن يحاول لمعالجة القضية لكن قبل أن تنتهي فترة رئاسته للجامعة بفترة وجيزة .

    فعلاً ذهب سعود إلى مدينة الريّاض التي تشعّ منها القرارات الحكومية ، حيث تستطيع تشبيهها بكل دقّة بمبنى برج المملكة ؛ فالبياض في اللوحة الفنيّة له أثر عميق في التناغم ، كذلك هو برج المملكة في انصهار عاليه ، إن الفتحة العلوية لها معنى عميق جداً وهو : للمواطن حق الاستفسار والمطالبة والحرية إلى دور معيّن ، ثم فجأة تنقطع كل الحقوق و تسبح في فضاء فسيح إلى أن تصل إلى الملك الذي يُرمز له الجسر العلوي في المبنى ، ذلك بأن الملك مطّلع على كل شيء .


    غِنى سعود وعراقة عائلته وعودها وبخورها يضفي للمسؤولين رغبة في خدمته ، وكل بحسب نيّته والله ثم الملك أعلم بالنيّات ، ذهب سعود إلى أحد زملائه الذي أوصاه بأن يذهب إلى رجل آخر وغيره ، مع ملاحظة أن الجميع هم من خَدَعة القوم وعليتهم ، بكل بساطة وسهولة أُصِدر خطاب بقبول جواهر في بعثات خادم الحرمين الشريفين بعد أيّام قليلة .

    خرجت جميع السموم من جسد جواهر الطاهر وذلك من دموع الفرح العفوي الأنثوي ، كانت الوجهة إلى مدينة لوس أنجلوس الأمريكية وذلك بعد شهرين من حينه ، شهران عليها أن تُنهي جميع التزاماتها وحضور حفلات الوداع وتفصيل حجاب يجمع بين الأصالة والمعاصرة ، هذه الفئة من الناس لا تحتاج إلى شراء مزيد من الملابس لأنهم دائماً في سفر ، السكن لم يكن عائقاً كبيراً ؛ فعمّها لديه أصدقاء كُثر في مدينة لوس أنجلوس ، وعلى هذا الأساس أصلاً تم قبولها هناك ، لم يَرد في ذهنها انتظار تذكرة السفر المجانيّة من الملحقيّة ؛ لذا بادرت بشراء تذكرة سفر في الدرجة الأولى على الخطوط البريطانية على أن تقضي خمسة أيام في مدينة لندن (هذه أقل فترة ترانزيت للطبقة المخملية) ثم تواصل سفرها إلى لوس أنجلوس .



    كان جميع أفراد العائلة بالمعنى الواسع يتناوبون .... يتبع لاحقاً
    7 "
  3. جرح الكبريـاء

    (3)









    كانجميع أفراد العائلة بالمعنى الواسع يتناوبون الحزن على فراق فتاتهم المدلّلةوالطيبةجواهر، لم يظنّوا أبداً أن هناك مستقبلاًمشرقاً علمياً وعاطفياً ينتظرها في مهجرها ومحجرها ، كانت تتورّد خجلاً كلما حدثتهاأختها نور عن الحب ، كانت نور تحكي لها عن الحب بطريقة احتفالية وأدبية جداً لدرجةأن قالت لها ذات يوم "لزومية الحب تتحرِّرنا من وهن السقوف" .. " ما أجملك أيها الحب ، تصفرّ قسماتك حتّى تبيضّ عيناك من أجل طرف عبور" ، هي الأمسيات تجري نفسهاكل يوم بمشاعر مختلفة انتظاراً ليوم الوداع ، كانت جواهر ترفّه عن نفسها بالخروج معوصيفاتها لمجمع الراشد أو شاطئ الغروب ، لتهرب من التفكير في المستقبل .


    مرّت الأيام سريعة جدًّا حتى أتت ساعة الوداع ، تلك الساعة التي ودّعتفيها جواهر حياة اللا حب، ودّعت جواهر زمن الدّعة وحرّية الأحلام ، ودّعت جواهر أموراً كثيرة كان لها تحكم فيها ، سوف تبدأ رحلة الألف ميل بخطوة واحدة بمئات الأنواع من الأحذية ، ودّعت والدتها وأخواتها ببكاءإلى الآن تذكُرُه ، فالوداع غالباً لا يُنسى إلى أن يأتي وداع أعظم منه ، غادرت المنزل متجهة إلى دولة البحرين لتنطلق إلى محمية لندن ، المضحك في الأمر أنها قالتدعاء السفر الذي يتضمن : " اللهم إنا نعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر .. " ، ومكانها يحتل الدرجة الأولى في الطائرة .

    عندمايصل الإنسان إلى لندن يجتاحه شعور متناقض ، أحد طرفيه الاستعلاء ، والطرف الآخرالاضطهاد ، يسمّونهامدينة الضباب وهي برأيي وجهة الحيارى ، إنها مدينة يُحترم فيها القادم لدرجة تصويره أينما ذهب ، تجوّلت جواهر قليلاً .. لا شيء جديداً سوى تغير مندوبي المبيعات وقلة الفقراء في الشوارع ، نعم .. فلقد مات معظمهم وبذلك نجحت الدولة في مكافحة الفقر .
    أيام قليلة قضتها جواهر في لندن إلى أن انطلقت إلىلوس أنجلوس ، كانت تحكي لمن حولها قصة حدثت لها بالطائرة ، حيث جلس بجانبها رجل دين سعودي يفوح عطر صلاحه من بعيد ، كل الملامح تظهر على متن الطائرة بعد قراءة الجريدة، حيث يصفو العقل وتذهب رهبة الإقلاع رويدًا رويدًا ، ولأن جواهر فتاة سعودية فلا يحق لها بداية الحديث مع رجل أجنبي ( أجنبي تعني له نفس جنسيّتها ، لكن لاعتبارات أخرىسمّي أجنبياً ) ، إلا أن نمط حياتها المختلف قليلاً عن مجتمعها يتيحلها أشياءً خاصة .

    الرحلات الطويلة التي تقلع ظهراً تحتم على المتجاورين الحديثعن أي شيء ، تذكرت جواهر أنها حلفت ذات يوم كَذِبًا فأرادت أن تسأل عن الكفارة ؛فوجدت أن الفرصة قد هلّت !

    بادرته جواهر :السلام عليكم
    الشيخ : وعليكم السلام
    جواهر : ممكن تسمح لي بسؤال ؟
    الشيخ نظر لها شزراً وقال : نعم .. هاتِ ما عندك ..
    قالت :أنا حلفت يوماً منالأيام وكنت كاذبة .. كيف أكفر عن ذنبي ؟
    حدّث الشيخ نفسه بأن التبرج الذي يراه وعدم وجود المحرم والعطر الذي ملأ الأفق شذاه يستحق أن يأخذه كمدخل لنصحها :
    ممكن أنصحك يا أمة الله ؟
    جواهر :تفضل .. أكيد أنا سألتك لكي أعرف الإجابة
    الشيخ :لا ينبغي لك أن تسافري بلا محرم ، وأن تتعطري وتفتني الرجال بتبرجك هذا .. اتقِ الله- عز وجل - و الزمي هدي نبيه صلى الله عليه وسلم ونهج السلف الصالح ؛ فبذلك يرضى الله عنك .
    جواهر :أهذه كفارة الحَلِف ؟! كنت أظنها أقلّ من ذاك بكثير .

    علم الشيخ بحدسه أنها بدأت تستهزئ فأعمى بصره ، وأغلق جميع طرق الاتصال لئلا يفتن . وقالت جواهر لنفسها : هل كان الرسول - عليه صلوات الله وسلامه - والسلف الصالح يُسألون عن شيء ويجيبون عن شيء آخر ؟

    اقتنعت جواهر بأن الذي بجانبها لا يصلح الحديث معه لرداءة تعامله وجفوته .. وكأن الهواء المعرفي يقول : لمَ يكون بعض الدعاة طيبيالأخلاق على المنابر وسيئي التعامل في الطرقات ؟ إنهم يحفظون الآيات والأحاديث وغيرها ، إلاّ أن الإنسان يفاجأ بإعاقاتهم الفكرية ، ولأنهم لا يقتنعون بأقوال سارتر أو ديكارت أو أي كافر فإن أحد السلف يقول :نزل هذا القرآن ليعملوا به فاتخذوا تلاوته عملاً .


    نامت جواهر بقية الرحلة إلى أن وصلت إلىالأرض الذهبية لوس أنجلوس، هدى الله أساتذةاللسانيات في الوطن العربي ، حيث إنهم لم يتفقوا على كيفية كتابة بعض الحروف الإنج/ ك ليزية .. أرأيتم كيف كانت المشكلة ، ج أم ك في طريقةكتابة حرف G ، عموماً لا مشاحّة في الاصطلاح كما يقول الأصوليون ، استقبلتها سيّارةفارهة وسائق كما يقال في وطنها ، إلا أن الأمر في أمريكا يقال بطريقة أخرى ، وهياستقبلها سائق مركبة فارهة ، ففي أمريكا تعظّم قيمة الإنسان، وأسمى الظواهر هي إعطاؤه حرّية التعبير .
    ذهب السائق بجواهر إلى السكن المعدّ لها سلفاً ، وهي عبارة عن شقّة في الدور الثاني من إحدى العماراتالجديدة والرائعة في تصميمها ، عمّها سعود هيأ لها ما يليق بمكانتها وبمالهاوبدراستها كذلك ، الشقة عبارة عن غرفة نوم وردية وصالة خضراء وطنية ومطلّ علىالمدينة تقرّ به عين الإنسان .. فكيف بالفتاة؟!
    انتهى زمن الوطن ؛ فالإنسان هو الإنسان والفتاة هي جزء من ذلكالكيان المعنوي وليست منشقّة عنه ، في الوطن .. المرأة لا يوثقبها .. المرأة هي وجه الشيطان على الأرض .. المرأة خلقت لخدمة الرجل .. المرأة الناجحة هي التي تمكث في بيتها وتقرأ سورة البقرة .. فيدولة مجاورة مشكوك في صحة تصويتها في المجالس البرلمانية .. المرأة لها أن تصرخ فقطليهب الرجال إلى نصرتها .. وهذه مزيّة يمتاز بها الوطن ، إلا أن العجب من أن جميعالطرق الدينية التربوية المتبعة تدعو المرأة إلى الصمت؛ لذا فالمزيّة تتأرجح أحياناً .

    في هدوءالغربة ، لا يجد الإنسان متنفّساً سوى أن يتصفح جرائد وطنه ، كانت جواهر تحب الوطن، أو بالأخص تقرأ فقط لـ .. محمد الرطيان، هذا العود الذي يخربش من مدينة رفحاء على رؤوس المسؤولين دون اعتبار للبلدية أو للأمانة - كما يقولون - لدرجة أنه يكتب عن مشكلة في الوطن وغاب عنه أن الجرائد لم توجد لهذا الهدفوبالتحديد جريدة الوطن السعودية .
    وصلت جواهر إلى المعهد الخاص بتعليمها لتبدأ مرحلة جديدة في العمر ، استقبلتها أجواء مغتربة من كل فجّ عميق ، كثيرون تنفسّوا هذا الهواء فأثروا فيه بالضبط كما فعل الإسبان بجلبهم لأنواع الأمراض لأرض أمريكا ، هنا الهواء مفعم بالدهشة ..بالحريّة .. بالمدنية .. بكل شيء لا يستفيد منه المغترب، خصوصاً القادم من أرض بترولية خليجية .




    الشيء الوحيد بكثرة ... يتبع لاحقا ًيتبع لاحقاً*
    7 "
  4. جرح الكبريـاء
    (4)








    الشيء الوحيد بكثرة هو العدل المنتشر في البلاد ، تجوّلت جواهر في المعهد وأعجبها تنظيمه وروعة الاستقبال وأشياء أخرى ، اختبروها لتحديد مستواها فوجدوا أنها ممتازة جداً في اللغة ، لكنها تحتاج إلى قليل من التطوير في الكتابات الأكاديمية ، الذي قد يأخذ مقدار ثلاثة أشهر ، غادرت جواهر لأنها كانت متعبة قليلاً لتأتي في الغد لتشهد مناسك لها .

    في الصباح دخلت جواهر إلى الفصل ؛ وإذ بالمفاجأة الكبرى التي تخشاها بعض السعوديات ويتمناها غيرهنّ ، وهو وجود الطالب السعودي ، لم يكن بالطبع لدى جواهر أي تحفّظ لكنها ذُهلت جداً من رؤية أحدهم ، الإعجاب الذي يأتي فجأة يكون صداه مدوّياً في النفس ، لا يوجد أي سبب منطقي فاقد العثرات يجعلها تذهل كما بدا عليها ، جلست بهدوء لئلا تصيب الذهول الذي دخلها بكدمة ، ثوانٍ مرّت عليها على هيئة لوحة فنيّة طويلة تحكي قصّة حب طويلة جداً انتهت لتبدأ من جديد ، الألوان في مرحلة الحب هي الأحلام وحدها ، بالطبع هي لم تدخل دين الحب بعد ، لكن بشريات نوفلية تفيد بأن الأفق المشاعري سيتسع وينير .

    أتعلمون من هم الجيولوجيون ؟ إنهم بكل بساطة حمقى الطبيعة .
    أتعلمون من هم الفيزيائيون ؟ إنهم بكل صعوبة فوضى الطبيعة .
    أتعلمون من هم السعداء فعلاً ؟ إنهم بكل شجاعة الجِبِلّيون .

    الجيولوجيون ليسو حمقى ، بل هم علماء ، وأحترم قدرهم ، كذلك هو شأن الفيزيائيين ، إلا أنني أستغرب من عكوف بعضهم سنين من أجل انتظار ثوران بركان ليعلموا ما تخبئه الأرض من جواهر ، كم أحب منهم من يعمل من أجل إنذار الناس لكنهم قليل .. قليلون جداً .. كانعدام الطبيب الذي يصرّ على مواصلة الإنقاذ مهما شعر بأن المريض أمامه سوف يموت ، كانت تصرّ كاتبة "رؤية ذاوية" على أستاذ لها في قسم الإنسانيات بألاّ يطلق كلمة الإنسان جزافاً لأي عابر سبيل ؛ فالإنسانية غدت مفقودة عند البعض انتهاءً ، كيف لا وإحدى الدول الافتراضية صارت تسيطر على سياسات دول واقعية ،
    لا شيء غدًا يملأ الإنسان فألاً .. سوى شيء واحد ، ولئلا أكون ظالماً فإنهم أمران .. ولأكون منصفاً أكثر .. إنه لا شيء سوى الحب .


    سألت المدرّسة جواهر بأن تتحدث عن مدينتها ، فانطلقت جواهر بمنطق سليم وعقل مستنير تتحدث عن الخبر الساحلية ، الخبر لا تستطيع مقارنتها بدبيّ لأنّ الاستثمارات بها محدودة جداً ، ولا تستطيع مقارنتها بالبحرين ؛ لأن المشروبات غير الروحية محرّمة بها جداً في العلن ، كذلك ليس من منطق القول بأنك تستطيع مقارنتها بالكويت ؛ لأن ليس فيها أي برج سوى شيء يشيّد هذه الأيام يُقال في المجالس إنه برج لوزارة الصرف الصحي ، لكن الحق يُقال .. إن الخبر تفوح شذا بطيبة أهلها وحبابتهم ، لولا عبث بعض أهل العواصم بها !!
    واصلت جواهر حديثها عن الخبر وهي في الحقيقة تكتشف نفسها بمعلومات دفينة تتضح معالمها عندما تقال ، تغشى الإنسان ساعات يتحدث بها عن نفسه ليقتنع بشيء ما فقده في السابق ، أو أنّه على مشارف النسيان .
    يزيد .. جالس مستمتع بما يسمعه من جواهر ، إنها تحكي عن الوطن .. وهل للأوطان عِوَض إذا فُقدِت ؟!

    فجأة سألت المدرسة يزيد عن صحة كلام جواهر لكن بطريقة مهذبة ، أجابها بكلمات لم ينظمها قبل في أي عقد حديث ، بل انطلق لسانه عفويّاً بها ، أجاب يزيد : " ما كان لهذه الشخصية أن تتحدّث بشيء غير صحيح " ، انطلقت من حينها ألعاب ناريّة وضّاءة في سماء جواهر .. أضاءت للمعذبين في قبورهم دروب الجنّة ، لم تتخيّل جواهر لحظة واحدة أنه يوجد إنسان على أرض المعمورتين (الأرض والقمر) من يمدحها بما سمعت وبصورة عفوية وبطيب نيّة ، تهلّل وجهها حتى شعر الجميع بأن يزيد يخطب حب جواهر ، انتبه يزيد لذلك فأردف : " إنني لا أقصد شيئاً سوى أنها صادقة " ، ابتسمت المدرّسة وهمست لها : " إنّه أحبكِ من النظرة الأولى " .


    لماذا يغيب على بنات المجتمع أن الحب ليس مجرد كلمة تقال أو هديّة يكتب عليها ، هذه كلّها ظواهر يقترفها الجميع بلا استثناء حتى بين حكّام الدول المتخاصمة ، ألا يُرى كيف أنهم يدخلون حرباً فيموت الملايين ؟! وهذه أجمل هديّة لدى الحكّام الظلمة بأن يساهموا في تقليل الشعب ، عندما تحين ساعة التعداد السكاني يُخبت بعضُ الحكّام لربّهم بأن تكون نسبة المسنّين عالية لتندثر أحلامٌ بالملك ، ثم في الليلة الأخرى يأتيهم كابوس تكلفة المستشفيات التي لا بد أن تستوعبهم .. مُضحك هذا الصنف من الحكّام لأنهم بين نارين : التعليم والصحة ، أحدهما للناشئة والآخر للمسنّين .

    جواهر لم تكن آبهه بأي تحرّك سياسي أو اقتصادي .. أو أي شيء سوى الاستقرار ، عادت وكأنها تطير من الفرحة مما سمعته من ذلك الفتى الوسيم ذي الأخلاق العالية و الثقافة المطّردة ، قد يُتَعجبُ من تفكيرها ؛ فهذا ديدن المحبين غالباً .. يخطّطون و يلونون و يعيشون في العالم الخيالي لأنها تكسبهم دفئًا مشاعريًا وحياة رائعة بحق .
    قضت جواهر ليلتها تبحث عن قصص حب سعودية ، لم تجد الكثير ؛ لأن السعوديين غالباً ما يحبّون بتخفٍّ داخل حدود الوطن وبعنجهية وتملّك في الخارج ، يبقى مذموماً ما حيا ذلك الشخص الذي يشيع قصة حبّه للجميع إلى أن يعلن توبته ويصبح عضواً في الشرطة الدينية أو مؤذناً أو داعية ، وسّعت نطاق بحثها للخليج فوجدت قليلاً وكلّما اتسع نطاق البحث كانت النتائج تزداد ، غاب عنها أن زيادة المساحة توجب تغيّراً في النتائج وليس لسبب آخر .. كتبت تبحث عن أشعار حب فوجدت شاعراً يُقال له نزار قباني يكتب في منتديات مختلفة بنفس العنوان .. لكن بعض الأبيات تختفي لكون إسلامية بعضها مما يحتم على المشرفين عمل شيء من الماكياج ، بعد التأكد من خلوّ الكاميرات وغيرها من أسباب الفتنة .
    بكل تعقيد ذهلت بفتى اسمه يزيـد ، وبالرجوع إلى الأرشيف الكوكبي نستفيد الآتي :

    يزيد ، شاب يافع تطير من أغصان عوده أطيار الأخلاق والنبل ، وتسكن عائلته مدينة الدمام ، إذا مشى في طريق فإن الجميع يطرقون احتراماً لذاته ، وكأن الملائكة تفرش له الطريق ، ومع ذلك فإن التواضع هو عنوان كيانه .
    يزيد ، نشأ في عائلة متوسطة الدخل المادي وغنيّة جداً في الحياة المعنوية والاستقرار الأسري ، هذا الغنى الذي يتمنّاه أغنياء العالم قبل فقرائهم ، كان يقرأ يزيد في يومه علوماً مختلفة تأخذ حجم ثلاث ساعات رملية من نوع فرعوني ، كان يؤمن بأن النهضة للمجتمع تأتي من خلال أفراده وليست من الشعارات الرنّانة ذات الطابع الناصريّ .


    يشعر الإنسان بالتيه عندما يحب ، ويزداد تيهاً عندما يعجز عن إيجاد فرصة للتعبير ، كيف ستبدأ فتاة ساحرة الجمال في إيضاح حبها وعظمته ليزيد ؟! هل تتظاهر بالخوف ومدعاة الشفقة لتنال قربه ؟! لم يعد في سماء تفكيرها سوى نجم واحد هو بالتأكيد .. يزيد .
    تنام لتحلم به ، تستيقظ لتراه ، تضحك خداعاً لنفسها وكأنها معه ، تبكي على فراقه ، كل مظاهر الحياة غدت ذات معنى أصيل من عمق اسمه وصوته وصورته ، أحبت عطره الذي استنشقت معه الحياة ، هل تتحوّل إلى اليزيدية لتكسب شيئاً من معانيه ؟!




    يهون كل شيء .. كل شيء .. من أجل ... يتبع لاحقاً
    7 "
ADs

قم بتسجيل دخولك للمنتدي او

الانضمام لمبتعث

Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.