الأعضاء الإشتراك و التسجيل

الملتقيات
ADs

رسالة من طالب عربي في سياتل إلى صديقه..

رسالة من طالب عربي في سياتل إلى صديقه..


NOTICE

تنبيه: هذا الموضوع قديم. تم طرحه قبل 3701 يوم مضى, قد يكون هناك ردود جديدة هي من سببت رفع الموضوع!

قائمة الأعضاء الموسومين في هذا الموضوع

  1. الصورة الرمزية العماري
    العماري

    مبتعث جديد New Member

    العماري غير معرف

    العماري , تخصصى ط , بجامعة لا يوجد
    • لا يوجد
    • ط
    • غير معرف
    • غير معرف , الرياض
    • غير معرف
    • Aug 2006
    المزيدl

    October 27th, 2007, 02:43 AM

    هذه رسالة كتبها طالب عربي يدرس في سياتل ، وقد وجهها إلى صديقه ( صالح ) يصف فيها المدينة وشعوره نحوها بأسلوب أدبي رائع ، فيقول:




    صديقي صالح...

    من بين المهن تعجبني مهنة مندوب المبيعات، فأصحابها يثرثرون دومًا عن الأشياء الجميلة، يفلسفون المزايا، ويحتالون من أجل إخفاء العيوب. وهذه مهارة رائقة، يحتاج إليها البشر دومًا، ونحن هنا خصوصًا نحتاج إليها. ففي أوقات الغربة، عادةً ما ينقطع أحدنا، فينعزل بابتذال كجرو مقابر، أو ينزوي بكبرياء كشجرة تنّوب. ولن يُنقذه من كل ذلك سوى ألفة يلتمسها مع البشر والأشياء من حوله. أنا الآن يا صديقي أغبط نفسي، لأني اصطنعت لنفسي حَبلاً متينًا من الألفة مع مدينتي التي أسكن فيها (سياتل).

    سياتل يا صديقي مثل روما، تتكئ على الريح، وتنام على سبعة تلال. تقع في ولاية واشنطن في أقصى الشمال الغربي لأميركا. وتعتبر من أسرع مدن أميركا في النمو التجاري، فقد ولدت فيها كبرى الشركات العالمية، مثل أمازون، ستاربكس، مايكروسوفت، وبوينج. وهذه الأخيرة لها تأثير لا يخفى على المدينة، فالأميركيون يقولون " إذا عطست بوينج، فسياتل ستصاب بالزكام". تَتفتح سياتل بين نهر وبحيرة، وتَتنهد بين بحر ومحيط، وأهلها يألفون الآخرين، كما يألف النورس شواطئها.
    غالباً ما تكون سماؤها مُرقَّشة بالغيوم، و سَديم ضبابها لا يَريمُ عن مداعبة مروجها، ولا تكاد تلمح قوس قزح يذوي، حتى تجد أن غيره قد ولد. هواؤها منعش وندي، واسْأل وردة التوليب كيف يطول عمرها هنا. تروقني منادمة قهوتها الثقيلة، والترنّم بأسمائها ذات النغمة المؤنثة. يسمّونها (مدينة المطر)، وأيضًا (المدينة الزمردية) لأن من يشاهدها من الأعلى سيجدها تلمع كالزمرد الأخضر. واسمها الحالي أخذته من زعيم القبائل الهندية التي كانت هنا (شيف سياتل). وقد نال العجوز الحكيم تخليد اسمه، لأنه دَان بولائه لأرضه، وأحبّ موطنه، كما يحب الوليد ثدي أمّه. وكان قد قال في خطابه الذي وجهه إلى المستوطنين في اتفاقية 1845 : " ليس في وسعنا امتلاك برودة النسيم، ولألأة المياه، فكيف يمكنكم شراء ذلك منا..! ". وأرجو ألا تظن يا صديقي أن حكاية الأسماء لا تهم، وأنها (لا تعلل)، فتلك هي أسماء البشر، أما المدن فتخبئ الحكايا خلفها.

    ومن الذين زاروها وكتبوا عنها، محمد علي باشا (الحفيد) في بدايات القرن الفائت، وقد قال : "سياتل واقعة على شاطئ البحر في أحسن موقع طبيعي، فهي على لسان داخل البحر، والداخل فيها يرى البحر عن يمينه ساكنًا هادئًا، لوجود جزائر كثيرة مزدانة بالأشجار المورقة، فمنعت هذه الجزر تلاطم الأمواج، وصارت حاجزًا قويًا يصدّ عنها تقلبات البحر الهائلة، فترى وجه الماء كأنه بساط سندسي يضرب لونه إلى الزرقة، ولا يعكر صفاءه سوى سير البواخر المختلفة، ويرى عن شماله بحيرتين عظيمتين ماؤهما عذب، وفي وسطهما بعض جزر أخرى لا تقل جمالاً عن الجزر التي في البحر". وهو هنا في كتابه (الرحلة الأميركية) لم يقل الكثير عن سياتل، لكنه كتب العديد من الأشياء الجميلة، ومن ذلك ما قاله بعدما شاهد الأميركيات العاملات: "إن الأميركيين الذين أمهاتهم أمثال هؤلاء السيدات الممتلئات نشاطًا وثباتًا وقوة جنان جديرون بما نالوا من الصيت الطائر في جميع أنحاء العالم، فأكثر أخلاق الولد وعوائده مكتسبة من أمّه، فالأمم ترتفع بارتفاع المرأة فيها، وتنحط بانحطاطها".

    كان الروائي البرازيلي كويلهو يقول " الكلمات امرأة "، وأقول أيضًا "المُـدن امرأة". امرأة نَاضجة، سَـنيّة، تحتويك، وتحوطك من كل جهاتك، وتغلّفك بحب عذري، لا يثلمه عادٍ من الأيام. لا ترحل عن البشر، ولا تضنّ عليهم بهداياها، فهي تَحضن أيامهم، وتَقتات أنفاسهم فيها. في دواخلنا يَتهادى عشقها بعذوبة، كأنشودة ينحتها طفل في قلوب والديه، كقصبة ناي أدمَنها راعٍ مولّه، أو حكاية أندلسية أقسَمت الأجيال على تخليدها. الُمدن الحبيبة، صانعة العشّاق، وتاج الحُسن على رأس هذه الدنيا المُبرقشة، من دونها نكون المِحراب الذي أضَاع قبلته، أو السِّراج الذي سَـلب الهبوب ذُبالته. ستبقى علاقة البشر بالمدن علاقة مُلغّزة، ولن تعرف علاقتك بمدينة ما حتى تدخلها، فتركب مَوجتك أمواجها. حتى تَتسربل أزقّتها، وتَنسدلُ في دروب أهلها. حتى تلتصق بأرضها، وتُناجي عُشبَها، وتقف مندهشًا أمام طلاسم طبيعتها. لقد كان من عادة الرحّالة ابن جبير عندما يدخل مدينة، أنه إما أن يدعو لها، أو يدعو عليها. وفي القرن السابع الهجري دعا الخليفة العباسي (الناصر) أحد الفرسان، للإقامة عنده، ووعده، ومنّاه. فتوجه له ذلك الفارس، وعندما دخل المدينة، أخذ يتأمل الناس، بتوجسٍ شَفيف، وبرهافة حِس من يدخل مدينة لأول مرة في حياته، وبين الجموع شاهد أسدًا مكبلاً بالسلاسل يقوده درويش. فتشاءم، وقال " لا أدخل بِلادًا تُذلّ فيها الأسود " وخرج من المدينة، ثم كتب قصيدة إلى الخليفة، كان منها :

    وما أنا إلا الِمسكُ في غيِر أرضكم أضوعُ وأمّـا عندكم فأضيعُ
    بلادي وإن جــــارت علي عـزيزة ولو أنني أعرى بها وأجوعُ

    هذه يا صديقي ليست دعوة إلى زيارة سياتل، فربما أنها لن تعجبك، وحينها ستنعتني حتمًا بأنّي مندوب مبيعات فاشل. فإنما هي عادتي كرجل مِكْلاف، مُخاتلة نفسي أمام الجمال، والأنسُ بأي مدينة أعيش فيها، وكأنّي الوَرْقاءُ في الحَرم.




    منقــــــــــــــول


ADs

قم بتسجيل دخولك للمنتدي او

الانضمام لمبتعث

Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.